أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
23
نثر الدر في المحاضرات
الكلام الموجز ، واللفظ المختصر ، واليسير المستغرب ، والنادر المستطرف دون الكثير المبتذل ، والشائع المشتهر ، وإلى الخطب القصار دون الإسهاب والإكثار ، وإلى القرحة « 1 » الواقفة من النثر دون الغرة السائلة من الشعر . وتصوّرت إيثارك لأن يجمع كل شكل إلى شكله ، ويقرن كلّ فصل إلى مثله حتى يأخذ بعض الكلام برقاب كله ، ويتّسق آخر الباب على أوله . فصنّفت لك هذا الكتاب محتذيا لتمثيلك ، مهتديا بدليلك . واقتصرت فيما أوردته فيه على الفقر الفصيحة ، والنوادر المليحة ، والمواعظ الرقيقة ، والألفاظ الرشيقة . . . وأخليته من الأشعار ، ومن الأخبار الطوال التي تجري مجرى الأسماء . وسميته « نثر الدر » . فلا يعثر فيه من النظم إلا بالبيت الشارد ، والمصراع الواحد الذي يرد في أدراج الكلام يتم به مقطعه ، وأثناء خطاب يحسن منه موقعه . وهو كتاب ينتفع به الأديب المتقدم ، كما ينتفع به الشادي « 2 » المتعلم ، ويأنس به الزاهد المتنسك ، كما يأنس به الخليع المتهتّك ، ويحتاج إليه الملك في سياسة ممالكه ، كما يحتاج إليه المملوك في خدمة مالكه ، وهو نعم العون للكاتب في رسائله وكتبه ، وللخطيب في محاوراته وخطبه ، وللواعظ في إنذاره وتحذيره ، وللقاضي في إذكاره وتبصيره ، وللزاهد في قناعته وتسلّيه ، وللمتبتلّ في نزاهته وتخليه . فأما النديم فغير مستغن عنه في مسامرة رئيسه ، وأما الملهى فمضطرّ إليه عند مضاحكته وتأنيسه . وقد جعلته سبعة فصول ، يشتمل كل فصل على أبواب يتشابه ما فيها ، وتتقارب معانيها . وذكرت أبواب الفصول في أوائلها ؛ ليقرب الأمر فيه على متناولها . وهذا هو « الفصل الأول » ، ويشتمل على خمسة أبواب : الباب الأول : يشتمل على آيات من كتاب اللّه عزّ وجلّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بألفاظ متشابهة ، ونظائر متشاكلة ، يحتاج الكاتب إليها ليوشّح بها كلامه ، ويزيّن برونقها ألفاظه ، ويحسّن بإيرادها - في أثناء كتبه ومقاطع فصوله - بلاغته ، بل يسدّ بجمالها خلته « 3 » ، ويتمم بكمالها
--> ( 1 ) القرحة : هي الغرة الصغيرة في وجه الفرس . ( 2 ) الشادي : الذي أخذ طرفا من العلم . ( 3 ) الخلّة : الثقبة الصغيرة ، والحاجة والفقر ، وفلان ذو خلّة : محتاج أو مسته لأمر من الأمور .